وصل عدد من رفاق دربه الى المكان.. تثبتوا جيدا حتى ادركوه.. فتشوا كل النقاط والزوايا المحيطة به وتحدوا الطقس الشتوي الممطر وبرك المياه والغدران على حافة الطريق الوطنية رقم 9 وعلى طول القنال ولكن دون جدوى.. فتشوا في عدة مناطق اخرى بالضاحية الشمالية كالكرم والمرسى وضفاف البحيرة والبحر الازرق وحلق الوادي.. نشروا بلاغات الضياع والفقدان على مواقع التواصل الاجتماعي حتى لاقت تعاطفا كبيرا من المتابعين، وتناقلت الخبر الاذاعات والمواقع الالكترونية وتحول اختفاء محمود المفاجئ والغامض والمحيّر الى قضية رأي عام.

انطلاق الابحاث..

ظلت دار لقمان على حالها.. محمود والسيارة مفقودان.. العائلة تنتظر في حيرة.. الاصدقاء مصدومون من اختفاء الصديق الحميم رغم كل محاولاتهم واستفساراتهم لدى المصالح الامنية والسجنية والصحية.. فيما الساعات تتواتر ثقيلة حتى جاء صباح الاحد وتحولت عائلة محمود الى مقر امني ببنعروس(حسب عنوان بطاقة تعريفه الوطنية) وابلغت عن اختفاء فلذة كبدها.. وطلبت ترويج منشور تفتيش في شأنه لفائدة العائلة.

انطلقت وحدات ادارة اقليم الامن الوطني ببنعروس في ابحاثها الاولية.. استدعت الأصدقاء الذين التقى بهم محمود قبل الاختفاء.. اجرت السماعات الاولية.. تحول عدد من الاعوان الى اخر مكان ظهر فيه الشاب المفقود واجروا عمليات تفتيش قبل ان تتعهد ادارة الشرطة العدلية بمتابعة القضية وكشف اللغز.. انطلق اعوان الادارة الفرعية للقضايا الاجرامية بالقرجاني في عمليات بحث ومعاينة وتدقيق لكامل محيط المكان القريب من المحول.. ولكن..

ظل الغموض سيد الموقف.. وبدأ الأمل في العثور على محمود حيا يتضاءل.. تداخلت السيناريوهات.. وتعددت التساؤلات.. هل تعرض محمود لأذى؟ هل استهدف من قبل مجرمين؟ هل قتل وسرقت منه سيارته وهاتفه؟ ولكن لا احد عرف الاجابة وظل الاختفاء نقطة استفهام.. وقضى اقاربه واصدقاؤه المقربون ليلتهم في حزن ووجع.. حتى جاء صباح الاثنين.. اليوم الذي كان من المفترض ان يناقش فيه محمود رسالة تخرجه.. اليوم الذي كان من المنتظر ان تفرح فيه عائلته وتطلق فيه الزغاريد بمناسبة النجاح..

تجنّد أمني..

تجندت مختلف الادارات الفرعية لادارة الشرطة العدلية بالقرجاني لاماطة اللثام عن الحادثة.. نزل ما لا يقل عن المائة اطار وعون منذ الصباح الى الميدان.. تعززوا بعدد كبير من اطارات واعوان ادارة اقليم الأمن الوطني بقرطاج وبعدد من رجال جهاز الاستعلامات، وبمتابعة ميدانية من المدير العام للأمن العمومي.. ومتابعة مباشرة من المدير العام للأمن الوطني.. شعارهم الوحيد كشف الحقيقة.. حقيقة اختفاء محمود واماطة اللثام عن لغز تواصل لعشرات الساعات..

امضت الوحدات الامنية(نحو 150 اطارا وعونا) الساعات الطوال في البحث والتفتيش.. املا في العثور على محمود حيا لاعادة البسمة الى والديه وأصدقائه.. ربما هو في مكان ما في حالة اغماء.. لا يقدر على الصياح وطلب النجدة.. ربما طريح الارض بعد تعرضه لاعتداء وعاجز عن الصراخ.. كان بعض الأمل يحدو الأمنيين ولو بنسبة ضئيلة في العثور عليه حيا، ولكن في حدود الساعة الخامسة والنصف من مساء الاثنين تبخر الأمل نهائيا بعد العثور على السيارة التي كان يستقلها محمود في تلك الليلة الممطرة ملقاة في حفرة عميقة نسبيا في مكان بعيد عن الطريق الرئيسية ولا تمر منه العربات اصلا يقع خلف مقر فني تابع للشركة التونسية للكهرباء والغاز ..

موظف «الستاغ»..

اتصل موظف يعمل بتلك الادارة العمومية التي كانت مغلقة يومي السبت والأحد بعون بالادارة الفرعية لمكافحة المخدرات بالقرجاني واعلمه عن وجود سيارة مقلوبة بيضاء اللون ملقاة في حفرة بها مياه.. تأكد الاعوان مباشرة ان السيارة هي نفسها التي كان يستقلها محمود.. تم تعميم المعلومة في الحال وتحولت مختلف الاطارات الامنية والاعوان الى المكان.. وتجمع عن بعد عشرات المواطنين..كان المشهد مفزعا.. مؤلما يعصر بالقلوب..السيارة مقلوبة داخل الحفرة العميقة.. ولكن اين محمود؟

على جناح السرعة اتصل الاعوان بالحماية المدنية التي سخرت فريق إنقاذ مدعوم بفريق غوص لمباشرة عملية البحث داخل الحفرة التي لا يقل عمقها عن الخمسة امتار وارتفاع المياه فيها عن النصف متر، وبمباشرة العملية عثر الاعوان على جثة ادمية داخل السيارة فانتشلوها ليتبين ان صاحبها يرتدي نفس الملابس المسجلة ببلاغ اختفاء محمود.. ورغم ذلك لم يتسرع احد في الابلاغ عن العثور على الشاب المفقود تجنبا للمفاجآت، حتى تم عرضها على بعض الاصدقاء.. فأكدوا انها لمحمود.. فجع الكل.. بكى الكل.. تألم الكل..

ولكن ماذا حصل؟

بإجراء المعاينة الفنية لموقع الحادثة وتمشيط ومسح محيطه تفطن اعوان الادارة الفرعية للقضايا الاجرامية بالقرجاني لوجود كاميرا مراقبة مثبتة بالمقر الفني التابع لـ»الستاغ» فقاموا بالتنسيق مع النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس 1 بمعاينة تسجيلاتها ليلة الاختفاء.. فكانت المفاجأة.. محمود لم يقتل ولم تحول وجهته ولم يتعرض لبراكاج كما لم ينه حياته بنفسه، بل ما حصل كان قضاء وقدرا.. نعم قضاء وقدر.. حيث بيّن التسجيل المصور ان محمود كان يقود السيارة ببطء شديد نظرا لحالة المكان والظلام الدامس المخيم عليه ونزول مطر خفيف، اضافة لعدم معرفته الجيدة على الارجح بالمسلك الذي سلكه..

اقتربت السيارة فجأة من حافة حفرة عميقة نسبيا لم يتفطن لوجودها محمود، فانقلبت رأسا على عقب وسقطت في الحفرة والتي لم يعرف من تركها على تلك الشاكلة، وهل هي بقايا لأشغال وقعت سابقا ولم يتم ردمها، كما لم يعرف ان كان محمود فارق الحياة على عين المكان بعد تعرضه لإصابة بليغة او بعد فترة بسبب عدم التفطن له وانقاذه وهو ما سيكشفه تقرير الطبيب الشرعي بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة..

الى ذلك وُدِّعَ محمود الى مثواه الأخير بالدموع والورود من اهل واصدقاء واقارب أحبهم وأحبوه.. وانتهت بالتالي مسيرة شاب مكافح.. طيب القلب والمعشر.. انتظر فرحة التخرج كمهندس في الطاقات المتجددة على أحر من الجمر ليهدي شهادته بكل فخر لعائلته، ولكن كتب له الاّ يفرح والا يلتقي مجددا افرادها.. ويغادر الاهل والأحبة في صمت ويخلف وجعا كبيرا في القلوب وألما يعصف بالجميع. 

المصدر : الحصاد